حقوق المرأة العاملة عند علماء النوازل المغاربة: "حق الكد و السعاية نموذجا"
خلف علماء النوازل بالغرب الإسلامي تراثا فقهيا وقضائيا فريدا ومتجددا أغناه انفتاحهم على واقع مجتمعات الغرب الإسلامي المتميزة بخصوصيات حضارتها وتنوع بنياتها الاجتماعية، والعمرانية، والتجارية والصناعية، والحرفية، والفلاحية، والإثنية واللغوية. وقد أثر هذا التنوع في مختلف مجالات الحياة فأنتج اجتهادات فقهية وقضائية عميقة ومتميزة في الأحوال الشخصية وفي المعاملات المدنية،( ) وفي العقوبات والجنايات،( )وغيرها من النوازل التي روعي فيها العرف وأجري فيها العمل وتجووز فيها الراجح أو المشهور من المذهب ولو كان مستند الحكم فيها نصا؛ إن لم يعد محققا للمصلحة الشرعية. أما في مجال الأسرة وحقوقها فقد أسس الفقهاء المغاربة لحقوق لم يسبقوا لها ولا توجد عند غيرهم من فقهاء المذاهب نذكر منها هنا حقا خاصا وخالصا للأبناء وللمرأة العاملين مع الأب أوالزوج. أسموه "حق الكد والسعاية"؛ وهو اجتهاد متميز أعطوا بموجبه حقا للنساء والأطفال وغيرهم من الأقارب في ثروة الزوج والأب والأخ باعتبارهم شركاء في تحقيق تلك الثروة، ويتم توزيع حقوقهم باحتساب كدهم وسنوات عملهم في تنمية المال فضلا عن حقهم الشرعي في الإرث وأصل هذا الحق عرف قبائل مناطق سوس ودرعة بجنوب احتساب كدهم وسنوات عملهم في تنمية المال فضلا عن حقهم الشرعي في الإرث. وأصل هذا الحق اجتهاد فقهاء النوازل بقبائل مناطق سوس ودرعة بجنوب المغرب وبعض قبائل غمارة في شماله حيث حاول الاجتهاد الفقهي إنصاف وحماية حقوق المرأة العاملة مع زوجها في ماله أو مع أخيها أو أبيها أوعمها، كما قضوا بهذا الحق للأبناء العاملين في مال أبيهم أو أخيهم أو أمهم أو جدهم سواء أكان العمل في الفلاحة والرعي أوالحياكة والتجارة وغيرها من المهن والحرف التي يشتغل فيها عادة جميع أفراد الأسرة أو العائلة الواحدة. وكذا الحالات التي تشتغل المرأة وحدها في مال الغير وهو حال بعض نساء الأطلسين الصغير والكبير بسوس. ونظرا لهذه المكانة الاجتماعية للمرأة عند القبائل الأمازيغية سميت المرأة في اللغة الأمازيغية "تامغارت" مؤنث "أمغار" أي شيخ ورئيس القبيلة، ف"تمغارت" هي رئيسة الأسرة والقبيلة والمجتمع، فهي أول من يستيقظ وآخر من ينام.( ) وسنتناول هذا الموضوع لإبراز تميز علماء وفقهاء النوازل بالمغرب الأقصى بمواكبتهم لواقع مجتمعهم ومراعاتهم لخصوصياته حرصا منهم على التماسك والاستقرار الأسري والمجتمعي، بحفظ الحقوق المالية الأسرية بإقرارهم وحكمهم بحق السعاة في كدهم وسعايتهم ، باستنادهم لأصول وقواعد المذهب المالكي، كما سنبين تواطؤ الفقهاء بسوس ودرعة وغمارة بالريف على القضاء بهذا الحق لأفراد الأسرة عموما وللمرأة على الخصوص ثم أصبح حق الكد والسعاية مما جرى به العمل فتوى وقضاء؛ موردين نماذج من النوازل الخاصة بالموضوع وكاشفين عن مسار تأصيل فقهاء النوازل وتقعيدهم لحق الكد والسعاية لما لهذا الحق من آثار مهمة على الاستقرار النفسي والاقتصادي للأسرة وللمجتمع، ولأهميته في التأسيس للفعل التضامني والاقتصادي الذي يميز العلاقات والقيم الأسرية بالمغرب.كما سنتتبع استمداد القضاء المغربي بعد الاستقلال وإلى اليوم لهذا العمل فقضوا به في أحكام ابتدائية واستئنافية، وكذا قرارات لمحكمة النقض في نفس الموضوع ، مما يدل على حضور الوعي الحقوقي للنساء بحقوقهن ومطالبتهن بها لدى القضاء الذي ينصفهن متى أثبتن كدهن وسعايتهن. وسأتناول هذا البحث من خلال المحاور التالية: أولا: مفهوم حق الكد والسعاية، و أصوله العرفية. ثانيا: تأصيل النوازليين لحق الكد والسعاية . ثالثا: عناية الفقهاء واهتمامهم بنوازل الكد والسعاية. رابعا: وسائل إثبات حق الكد والسعاية. خامسا: عمل الفقهاء في تقسيم حق الكد والسعاية . سادسا: أثر حق الكد والسعاية في باقي المعاملات المالية سابعا: حق الكد والسعاية والمشرع المغربي . ثامنا: تعقيب على كتاب الأستاذ محمد التاويل "إشكالية الأموال المكتسبة مدة الزوجية" خاتمة
الوثيقة العدلية : نشأتها و خصوصياتها
الوثيقة العدلية ثمرة قرون من الممارسة التوثيق بالمغرب الأقصى، فمنذ القرن الثاني الهجري اهتم الفقهاء والقضاة بضبط الوثائق لأهميتها في حفظ الأمن التعاقدي وما لها من أثر استقرار المجتمع في علاقاته المالية والاجتماعية والسياسية. لذا ترعرعت الوثيقة العدلية تحت رقابة القضاة و الفقهاء حتى صار التوثيق علما قائما بذاته سمي بعلم الوثائق أوعلم الشروط مستقلا عن باقي علوم الفقه والقضاء، وصنف فيه الفقهاء والقضاة، عنت بضبط مضمون الوثائق وإحاكمها مغلقة لما قد ينشأ بين أطرافها من نزاع سواء في ثبوتها أو شروطها أو آثارها أوأحكامها. كما اهتموا بتقييدها و تسجيلها في سجلات متعددة حفظا لها من الضياع و صيانة لحقوق أصحابها أو ذوي الحقوق الواردة فيها حالا او مآلا. و بعد الاستقلال لم يقن تقنين مرفق التوثيق العدلي في مستوى تاريخ الوثيقة وتراثها.
خصوصيات نظام المواريث في القانون المغربي
ينبني القانوني المغربي المنظم للمواريث و الوصايا على الشريعة الاسلامية المستندة لنصوص القرآن و السنة و للاجتهاد المعاصر . و يتميز قانون الإرث بتأسيسه على مبادئ جعلته نظاما مكتمل و منتظم البناء و القواعد و متناسقا مع باقي أحكام الشريعة الإسلامية المنظمة لجميع مجالات الحياة من عبادات و عادات و معاملات وجنايات، ومع باقي القواعد المنظمة للأسرة خطبة و زواجا وطلاقا ونفقة و رضاعا وحضانة. كل ذلك باستحضار البعد الاجتماعي والإحساني و التكافلي و الاستخلافي للمال في الفكر الإسلامي. وفي هذا العرض سأنبه إلى خصوصية نظام الإرث في القانون المغربي باعتباره جزءا من نسق نظام الشريعة الإسلامية، إذ لا يمكن النظر إلى أحكام الإرث إلا باعتبارها جزءا من نسق منتظم و متكامل